سيد محمد طنطاوي

304

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) * تعليل لسبب جبنهم وخوفهم ، واسم الإشارة يعود إلى كون المؤمنين أشد رهبة في صدور المنافقين واليهود من اللَّه - تعالى - . أي : أنتم أشد رهبة في قلوبهم من اللَّه - تعالى - : بسبب أنهم قوم لا يفقهون الحق ، ولا يعلمون شيئا عن عظمة اللَّه - سبحانه - وجلاله وقدرته . . والمقصود من هذه الآية الكريمة ، تهوين أمر هؤلاء الأعداء في نفوس المؤمنين وبيان أن هؤلاء الأعداء قد بلغ الجبن والخور فيهم مبلغا كبيرا ، لدرجة أن خشيتهم لكم ، أشد من خشيتهم للَّه - تعالى - . والتعبير بالرهبة للإشعار بأنها رهبة خفية لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى - وأن هؤلاء المنافقين واليهود ، مهما تظاهروا أمام المؤمنين بالبأس والقوة . فهم في قرارة نفوسهم يخافون المؤمنين خوفا شديدا . . . قال صاحب الكشاف : رهبة مصدر رهب المبنى للمفعول ، كأنه قيل أشد مرهوبية . وقوله : * ( فِي صُدُورِهِمْ ) * دلالة على نفاقهم . يعنى : أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف اللَّه ، وأنتم أهيب في صدورهم من اللَّه - تعالى - . فإن قلت : كأنهم كانوا يرهبون من اللَّه حتى تكون رهبتهم منهم أشد ؟ . قلت : معناه أن رهبتهم في السر منكم ، أشد من رهبتهم من اللَّه التي يظهرونها لكم . وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من اللَّه . . . « 1 » . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد قررت حقيقة راسخة في نفوس المنافقين وأشباههم ، وإن كانوا يحاولون إخفاءها وسترها ، وهي أن خشيتهم من الناس أشد من خشيتهم من اللَّه - تعالى - . ثم يقرر - سبحانه - حقيقة أخرى ، أيدتها التجارب والمشاهد الواقعية ، فقال - تعالى - : * ( لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وقُلُوبُهُمْ شَتَّى . . . ) * . والآية الكريمة بدل اشتمال من التي قبلها ، لأن شدة الخوف من المؤمنين جعلت اليهود وحلفاءهم ، لا يقاتلون المسلمين ، إلا من وراء الخنادق والحصون . . والجدر : جمع جدار ، وهو بناء مرتفع يحتمي به من يقاتل من خلفه . و * ( جَمِيعاً ) * بمعنى مجتمعين كلهم . .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 85 .